في خُطى ماريا مونتيسوري

تأملات حول دورة التوجيه 3–6 من جمعية مونتيسوري الدولية (AMI)

قبل أكثر من قرن، بدأت ماريا مونتيسوري رحلةً غيّرت ملامح التعليم إلى الأبد. وُلِدت عام 1870 في إيطاليا، وتحدّت القيود التي لم تجرؤ كثير من النساء على مواجهتها آنذاك، فأصبحت من أوائل الطبيبات في بلدها، في زمنٍ كان دخول المرأة إلى قاعة المحاضرات بحد ذاته تحدّياً.

لكن شجاعتها لم تتوقف عند ذلك الحد؛ فقد كرّست حياتها لدراسة الطفل — لا باعتباره وعاءً فارغًا يحتاج إلى ملء، بل ككائنٍ حيٍّ قويٍّ في طور النمو والاكتشاف. ومن خلال ملاحظتها العميقة، اكتشفت مبادئ إنسانية مشتركة تجمع بين جميع الأطفال، بغضّ النظر عن لغتهم أو ثقافتهم أو موطنهم.

سافرت مونتيسوري حول العالم — من إيطاليا إلى الهند، ومن أوروبا إلى أمريكا — حاملةً رسالة السلام والكرامة والأمل من خلال التعليم. كانت تؤمن بأن رعاية قدرات الطفل الفطرية هي الطريق إلى بناء السلام في الإنسانية.

كانت امرأة قوية الإرادة، حازمة الرؤية، وقائدة إنسانية آمنت بقدرة التعليم على تمكين المرأة وتحويل المجتمع نحو الرحمة والمعرفة.

واليوم، وبعد أكثر من مئة عام، ما زال إرثها حيًّا — في الصفوف الدراسية، والمنازل، وقلوب المربين في كل أنحاء العالم. إن نهج مونتيسوري ما زال نابضًا بالحياة، يُرشد المعلمين إلى رؤية العالم بعيني الطفل.

تجربة حيّة لنهج مونتيسوري في العالم العربي

في منطقتنا العربية، حظيتُ بامتياز رؤية هذا الروح يبعث من جديد من خلال دورة التوجيه 3–6 التي يقدمها مركزنا المعتمد من جمعية مونتيسوري الدولية. يجتمع المربّون من مختلف البلدان العربية بقلوبٍ منفتحة، راغبين في فهم ما أسمته مونتيسوري بـ “سرّ الطفولة.”

ما يجعل هذه التجربة فريدة هو صدق المدربين وخبرتهم — فهم لا يكتفون بعرض النظريات، بل ينقلون التجربة الحيّة لصف مونتيسوري الحقيقي. من خلال قصصهم وعروضهم العملية، نشعر بجمال النظام الهادئ في البيئة المهيأة، وكأننا نسير داخل صف مونتيسوري، نراقب الأطفال في تركيزٍ وسلام.

يتعلّم المشاركون معًا، يُنشدون، ويتأملون. تتكوّن بينهم صداقات، وتُتبادَل الخبرات، ويُعاد اكتشاف الهدف الحقيقي للتعليم — ليس كمجرد تلقين، بل كرحلةٍ للتحوّل والنمو، لكلٍّ من الطفل والبالغ.

رحلة مستمرة

بعد كل دورة، أسمع ذات العبارة تتكرر:

“أصبحت أرى الأطفال بطريقة مختلفة الآن.”

ولعل هذا هو أصدق دليل على التغيير الحقيقي. فعندما نبدأ في رؤية الطفل كما رأته مونتيسوري — قادرًا، مسالمًا، ومفعمًا بالإمكانات — يتغيّر مفهومنا كله عن التعليم.

إن دورة التوجيه من جمعية مونتيسوري الدولية ليست مجرد تدريب، بل هي صحوة. تذكّرنا أن رسالة مونتيسوري خالدة — بأن التعليم قادر على بناء السلام، واستعادة الكرامة، وصناعة عالمٍ أفضل.

ومع استعدادنا لإطلاق الدورة الثانية بقيادة كارول بوتس في 6 يناير 2026، أشعر بإلهامٍ عميق تجاه هذا الحراك المتنامي في منطقتنا العربية. فكل مشاركٍ في هذه الدورات يصبح جزءًا من قصةٍ بدأت منذ أكثر من قرن — قصة امرأةٍ آمنت بقدرة الطفل على تغيير العالم.

“الطفل هو الأمل والوعد للبشرية.” — ماريا مونتيسوري

وكما تذكّرنا مونتيسوري في كتابها «التطور الإبداعي لدى الطفل»:

“المعلم هو الرابط الديناميكي، المحرّك الحيوي في الصف — يوجّه، ويربط، ويُحيي كل شيء من حوله بالحب والملاحظة.”

وهذا بالضبط ما نشهده في هذه الدورات — مربّون يتحولون إلى قوى حية للتغيير، ينقلون رؤية مونتيسوري إلى الصفوف، والمجتمعات، والمستقبل

Comments are closed.