في زمن الحرب… لماذا يبقى الطفل طريق السلام
في الأيام الأخيرة، ومع سماع أصوات الانفجارات من حولنا، وجدت نفسي أفكر كثيرًا في الأطفال.
عندما يسمع الكبار صوت الانفجار، يفهمون أن هناك حربًا أو صراعًا. لكن الطفل لا يفهم هذه الأمور. هو فقط يشعر بالخوف، ويرى القلق في وجوه الكبار، ويشعر أن العالم الذي كان آمنًا بدأ يتغير.
في تلك اللحظات، يبدأ الإنسان في طرح سؤال صعب: كيف وصل العالم إلى هذا المكان؟
لقد تقدم البشر كثيرًا. نحن قادرون على السفر عبر السماء، وعلى استخدام التكنولوجيا بطرق مذهلة، وعلى التواصل مع العالم كله في لحظات. ومع ذلك، ما زال العالم يعيش الحروب والخوف وعدم الاستقرار.
وهذا يجعلنا نتساءل: إذا كان الإنسان قادرًا على بناء كل هذا التقدم، فلماذا ما زال عاجزًا عن العيش بسلام؟
في مثل هذه اللحظات أتذكر كلمات ماريا مونتيسوري:
«إذا كان للأمل والخلاص أن يأتيَا، فلابد أن يأتيا من الطفل، لأن الطفل هو صانع الإنسان.»
ومعنى هذه العبارة بسيط لكنه عميق.
الإنسان الذي سيعيش في المستقبل يتكوّن اليوم في الطفل. أي أن طريقة تربيتنا للأطفال اليوم هي التي ستحدد شكل العالم في الغد.
ومن خلال العمل مع الأطفال نكتشف شيئًا مهمًا.
عندما يُعطى الطفل بيئة مناسبة لنموه، لا يكون كسولًا كما يظن بعض الكبار، ولا يريد اللعب طوال الوقت. على العكس، نرى طفلًا يحب العمل، ويستطيع التركيز لفترة طويلة، ويعمل بدقة كبيرة.
كما نلاحظ أنه يصبح محبًا للنظام والهدوء، ويعمل بسرور، ولا يشعر بالحاجة إلى منافسة الآخرين.
لماذا يحدث هذا؟
لأن الطفل عندما يُمنح الحرية ليعمل في بيئة مناسبة، يظهر لديه دافع طبيعي للعمل والتعلم. العمل بالنسبة له ليس عقابًا أو واجبًا، بل جزء طبيعي من نموه.
وأحيانًا نرى الأطفال يستمرون في العمل بهدوء حتى عندما لا يكون المعلم موجودًا في الغرفة. هذا يدل على أنهم لا يعملون خوفًا من السلطة، بل لأن لديهم دافعًا داخليًا للنمو والتعلم.
ومن هنا نفهم فكرة مهمة جدًا:
السلام لا يمكن أن يُعلَّم للأطفال بالكلمات فقط.
لا يكفي أن نقول للأطفال “كونوا لطفاء” أو “أحبوا بعضكم”. السلام الحقيقي يتكوّن عندما يعيش الطفل تجربة حقيقية من النظام والعمل والاحترام.
عندما نمنح الطفل الحرية ليعمل، ونحترم نموه الطبيعي، ونهيئ له بيئة مناسبة، يبدأ في تطوير صفات مهمة مثل النظام، والانضباط، وحب العمل، واحترام الآخرين.
وهذه الصفات لا تأتي لأن أحدًا فرضها عليه، بل لأنها تنمو بشكل طبيعي عندما ينمو الطفل بطريقة صحيحة.
لهذا السبب، ربما لا يبدأ السلام في العالم من السياسة أو الاتفاقيات فقط.
ربما يبدأ في مكان أبسط بكثير… في الطفولة.
كل مرة نهيئ فيها بيئة مناسبة لطفل، ونحترم نموه الطبيعي، ونثق في قدرته على التعلم والعمل، نحن لا نربي طفلًا فقط.
نحن نساعد في بناء إنسان المستقبل.
وفي زمن الحرب، يصبح هذا العمل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالطفل ليس فقط أمل الغد…
الطفل هو الطريق الذي يمكن أن يقودنا إلى عالم أكثر سلامًا.