الطريق الخفي نحو الرياضيات
كثيراً ما أقابل في عملي أولياء أمور يشعرون بالدهشة عندما يرون أطفالهم في صف المونتيسوري يلمّعون أو يغسلون أو يصبّون الماء.
في ثقافتنا، تُعتبر هذه المهام المنزلية — كتنظيف الطاولة أو ترتيب الزهور — عملاً تقوم به الخادمة أو ربّة البيت، لا الطفل في المدرسة.
بعض الأهالي يقولون لي:
«أرسلنا طفلنا ليتعلّم الرياضيات واللغة، لا ليقوم بالأعمال المنزلية!»
لكن مع الوقت — وبعد أن يصغوا إليّ بصبر — يبدأون في رؤية ما أراه أنا:
أن هذه الأنشطة البسيطة، التي تبدو بعيدة عن “التعليم الأكاديمي”، هي في الحقيقة الجذور التي ينبثق منها التعلم الحقيقي.
قبل أن يفهم الطفل الأرقام أو الرموز، يجب أن يعيش النظام في حياته اليومية.
وقبل أن يتمكّن من القراءة والكتابة، يجب أن يتعلّم التركيز، والانضباط، وإتمام العمل من بدايته إلى نهايته.
في المونتيسوري، أنشطة الحياة العملية والتمارين الحسية ليست مجرّد تمهيد — بل هي الأساس الذي يبنى عليه الذكاء.
عندما يصبّ الطفل الماء دون أن يسكبه، أو يطوي المنديل بتناسق، أو يلمّع الكوب حتى يلمع كالمرايا، فهو يتعلّم المقارنة والتمييز والتقدير، ويُنمّي الحسّ الذي يقوده لاحقاً إلى فهم الرياضيات واللغة.
وغالباً ما أتذكّر جدّتي…
كانت أمّية — لم تدخل المدرسة يوماً — لكنها كانت تمتلك عقلاً منظّماً كالمدير التنفيذي.
كانت تدير ميزانيات البيوت، وتنظّم الأعراس، وتبني المحلات، وتدير رواتب العاملين، وتعرف كل التفاصيل في رأسها دون ورقة أو آلة حاسبة.
كانت ربّة بيت ماهرة ومبدعة.
تعرف التناسق والنسبة والتوازن دون أن تدرس الهندسة.
كانت تخيط العباءات لنساء البحرين في ستينيات القرن الماضي، وكل غرزة منها كانت درساً في الدقّة، والصبر، والحساب، والجمال.
لم تكن تعرف لغة الأرقام، لكنها عاشت الرياضيات بفطرتها.
كانت تعرف كيف تُقسِّم، وتُوازن، وتُنظِّم — لا بالمعادلات، بل بالحسّ العملي الذي يُولد من الملاحظة والعمل والاهتمام بالتفاصيل.
وهذا تماماً ما نزرعه في الطفل.
فالرياضيات لا تبدأ بالأرقام، بل بالنظام.
ومن خلال الحياة العملية يتعلّم الطفل التسلسل، والعلاقة بين السبب والنتيجة، بينما تمنحه المواد الحسيّة القدرة على المقارنة والتصنيف والقياس — فيتهيأ ذهنه تدريجياً للتفكير المنطقي المجرّد.
ثم يأتي اليوم الذي يحدث فيه التحوّل الجميل:
الطفل الذي كان يلمّع المرايا أو يطوي المناديل في صمت، يصبح فجأة منجذباً للعدّ، والترتيب، والتفكير الدقيق.
النظام الذي عاشه في يديه يتحوّل إلى تفكير رياضي حيّ.
كما قالت ماريا مونتيسوري:
“الرياضيات شجرة حيّة، جذورها مغروسة في أرض النشاط الإنساني، وفروعها تمتدّ إلى كل جانب من جوانب الحياة.”
وعندما يرى الأهل هذا التحوّل، لا يرون طفلاً يقوم بالأعمال المنزلية — بل يرون عقلاً يُبنى، وشخصية تتكوّن، وثقة تنمو.
يرون أن طريق الرياضيات لا يبدأ في الكتب، بل يبدأ بالحركة، وبالاستقلال، وبالفخر في العمل الحقيقي الذي يمنح الطفل معنى، ونظاماً، وكرامة.
إنه الطريق نفسه الذي عرفته جدّتي — طريق الذكاء العمليّ الذي يجعل من الحياة نفسها درساً في التفكير، والتنظيم، والجمال